تزامناً مع حلول العاشر من سبتمبر، الذكرى السنوية لتشغيل مصادم الهادرونات الكبير لأول مرة، تتسارع خطى الأبحاث الفيزيائية داخل المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن" في جنيف، لتعيد إلى الواجهة نقاشات علمية وفلسفية عميقة حول حدود التجربة البشرية ومخاطر العبث بالقوانين الأساسية للكون. ومع سعي العلماء لدفع المصادم نحو مستويات طاقة غير مسبوقة تلامس لحظات "الانفجار العظيم" الأولى، تبرز مجدداً تساؤلات ومخاوف مجتمعية حول إمكانية أن تؤدي هذه التجارب الفائقة إلى توليد ثقوب سوداء مجهرية قد تهدد استقرار الكوكب.
مصادم الهادرونات الكبير: تفتيت المادة للبحث عن أسرار المادة المظلمة
ولم تعد التجارب الجارية داخل النفق الدائري الممتد لمسافة 27 كيلومتراً تحت الحدود الفرنسية السويسرية مجرد أبحاث أكاديمية عادية، بل تحولت إلى بوابة لاستكشاف أسرار فيزيائية استعصت على الحل لعقود.
ويرتكز عمل المصادم، الذي دخل الخدمة في 10 سبتمبر من عام 2008، على تسريع حزم من البروتونات إلى سرعات تقترب من سرعة الضوء، ثم توجيهها للاصطدام المباشر ببعضها البعض؛ بهدف تفتيت الجسيمات دون الذرية ورصد جزيئات جديدة مثل "بوزون هيغز"، والمادة المظلمة، والأبعاد الإضافية المفترضة للكون.
وفي هذا السياق، تؤكد التقارير العلمية الصادرة عن اللجنة الأمنية المستقلة في "سيرن" لعام 2026، أن مستويات الطاقة المستخدمة في هذه الاصطدامات الحالية تظل آمنة تماماً، ومحصورة ضمن بيئات فيزيائية دقيقة لا تسمح بنمو أو استقرار أي كتل جاذبية مهددة، مما ينفي بشكل قاطع الشائعات الرائجة حول احتمالية تسبب المصادم في نهاية العالم أو ابتلاع الكوكب.
الثقوب السوداء المجهرية: حقيقة علمية أم هلع سينمائي؟
وفي المقابل، يرى فيزيائيون ومراقبون أن إمكانية تشكل "ثقوب سوداء مجهرية" أثناء الاصطدامات عالية الطاقة هي فرضية علمية معترف بها في بعض نماذج الفيزياء النظرية، لكنها تختلف كلياً عن الثقوب السوداء الفلكية العملاقة.
فوفقاً لنظرية "إشعاع هوكينغ" الشهيرة، فإن هذه الجسيمات الافتراضية الصغرى —في حال تشكلها— تتبخر وتتلاشى في أجزاء من المليار من الثانية قبل أن تتفاعل مع أي مادة محيطة بها، مما يجعلها عاجزة تماماً عن إحداث أي أثر تدميري.
ومع استمرار التحديثات التقنية لرفع كفاءة ومستويات طاقة المصادم، يظل الرهان العلمي قائماً على فك شفرات نشأة الكون وفهم طبيعة القوى الأساسية التي تحكمه.
وتثبت البيانات الفيزيائية المتراكمة أن الأشعة الكونية الفضائية تصطدم بغلاف الأرض الجوي يومياً بطاقات تفوق بمراحل ما ينتجه مصادم جنيف، مما يعزز فرضية الأمان المطلق لهذه التجارب ويهدئ من روع المخاوف العامة التي تغذيها منصات التواصل ووسائل الإعلام.
بقلم: محمد الحفيان