جاءت الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر هذا الأسبوع محمّلة بدلالات تتجاوز مناسبتها المعلنة، وهي إحياء الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. فبينما حملت الزيارة طابعاً احتفالياً بالشراكة الاقتصادية والأمنية المتنامية بين القاهرة وبكين، جاءت في توقيت تتقاطع فيه مصالح البلدين الاستراتيجية في مواجهة اضطراب إقليمي غير مسبوق تسببت فيه حروب متعددة تهدد الاستقرار الذي يحتاجه كلاهما
سياق الزيارة مصالح اقتصادية مهدّدة
تأتي هذه الشراكة المتعمقة استجابة مباشرة لتحديات اقتصادية وأمنية باتت تمس المصالح الحيوية للبلدين. فمصر، القوة الإقليمية المحاطة بحروب وصراعات أهلية، شهدت تراجع عائدات قناة السويس، أحد أهم أصولها الاقتصادية، بأكثر من 60 بالمئة، نتيجة التداعيات الأوسع للحرب الإسرائيلية على غزة وتبعات الحرب الأمريكية-الإيرانية.
في المقابل، تأثرت الصين، الشريك التجاري الأول لمصر، بدورها من اضطراب المنطقة؛ إذ تعرّضت إمدادات الطاقة القادمة من الخليج للخطر بفعل إغلاق مضيق هرمز والمواجهة العسكرية المستمرة بين واشنطن وطهران، ما اضطر بكين إلى إعادة توجيه صادراتها إلى الشرق الأوسط بسبب الاضطرابات في الخليج وعند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وفي قناة السويس ذاتها.
من هذا الواقع، تنبع مصلحة مشتركة بين البلدين في الاستقرار والسلام الإقليميين، وهي مصلحة تستند أيضاً إلى ثوابت راسخة في السياسة الخارجية لكل منهما: فمصر، منذ توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، استثمرت في أدوات الدبلوماسية والوساطة لتحفيز التسويات بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين إسرائيل وجيرانها العرب، وبين دول الخليج وإيران.
أما الصين فقد بنت علاقات مع جميع دول المنطقة على تنوعها، من إسرائيل إلى إيران، معتمدة على الدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية أداتين رئيسيتين لبناء نفوذها، في مقابل ما تصفه بالنهج التدخلي القائم على القوة العسكرية الذي تنتهجه الولايات المتحدة.
رمزية دبلوماسية مكثفة
حفلت زيارة شي التي استغرقت يومين برمزية دبلوماسية لافتة. استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وزوجته الرئيس الصيني وزوجته شخصياً في مطار القاهرة الدولي المزيّن احتفالاً بالمناسبة. وتنقّل شي عبر العاصمة المصرية بسيارته الفاخرة "العلم الأحمر"، في مشهد استحضر الهالة التي عادة ما يحيط بها رؤساء الولايات المتحدة زياراتهم الدولية.
كما رافق الرئيسان وزوجتاهما بعضهما في جولة داخل المتحف المصري الكبير المفتتح حديثاً، توقفوا خلالها أمام كنوز الملك توت عنخ آمون.
اتفاقيات اقتصادية وعسكرية ملموسة
وقّع البلدان خلال الزيارة خمساً وعشرين اتفاقية ثنائية شملت المجالات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والأمنية والعسكرية. وكان الأبرز فيها الاتفاق على ربط استراتيجية "رؤية 2030" التنموية المصرية بمبادرة "الحزام والطريق" الصينية الموجهة لدول الجنوب العالمي، إلى جانب توسيع المنطقة الاقتصادية الصينية-المصرية في قناة السويس.
وبوصفهما عضوين في مجموعة "بريكس"، التزم البلدان بزيادة التبادل التجاري الثنائي باستخدام العملات المحلية، وهو ما يخدم مصر في تقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي. ولافت أيضاً أن الزيارة جاءت بعد أيام قليلة من التدريب الجوي المشترك الثاني من نوعه بين البلدين، تحت اسم "نسور الحضارة"، حاكت فيه مقاتلات صينية ومقاتلات مصرية الصنع الغربي سيناريوهات قتالية.
ملف تايوان مقابل ملف النيل
تضمّن البيان المشترك الصادر ختام الزيارة تجديداً مصرياً لالتزامها الدبلوماسي الراسخ بمبدأ "الصين الواحدة".
في المقابل، التزم شي باعتراف بلاده بالأمن المائي لمصر وبحقوقها في موارد نهر النيل. ويكتسب هذا الالتزام الصيني أهمية خاصة في ظل النزاع المستمر بين إثيوبيا ومصر حول التوزيع العادل لموارد النيل، والموقف الصيني الذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه أقرب إلى الجانب الإثيوبي، ما يجعل هذا التحول عاملاً يمكن لمصر أن تعوّل عليه في مساعيها المقبلة لإلزام إثيوبيا بتسوية تفاوضية.
تحالفات متعددة لا تحالف حصري
رغم كثافة الرمزية الدبلوماسية للزيارة، يبقى كل من البلدين مستثمراً في شبكة علاقاته الاستراتيجية الأوسع: عالمياً بالنسبة لمصر، وإقليمياً بالنسبة للصين.
فتعميق العلاقة مع بكين لا يعني تراجع القاهرة عن شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، التي تبقى شريكاً محورياً من الناحيتين العسكرية والدبلوماسية في ملفات الاستقرار الإقليمي، من فلسطين وإسرائيل إلى ليبيا والسودان. وفي المقابل، طوّرت الصين شراكات استراتيجية مع إيران وتركيا ودول الخليج العربي، إلى جانب علاقات مستقرة مع إسرائيل. وخلافاً لحقبة الخمسينيات والستينيات، حين كانت مصر الحليف الرئيسي للاتحاد السوفيتي في المنطقة، فإن القاهرة اليوم لا تسعى لأن تكون الحليف الأول للصين، بل تفضّل البقاء حليفاً رئيسياً ضمن شبكة متعددة من الشراكات، دون التخلي عن علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن أو الارتباط الحصري بأي قوة عظمى راعية.